الثورات الهجينة تغزو بلاد اللاتين.. فتش عن الذئب الأمريكي

المصدر: رأي اليوم
تاريخ النشر:  2019-11-23
10
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ماذا يحدث في أمريكا اللاتينية؟، من يقف وراء كل هذا البركان المتفجر الذي يتشح بعباءة الرفض لسياسات التقشف الاقتصادي، بداية من انتفاضة تشيلي ضد رفع تعريفة ركوب المترو، مرورا بموجة الغضب في الإكوادور ضد إلغاء دعم الوقود وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، والاحتقان الشعبي في البرازيل إزاء خفض موازنة التعليم، والمواجهات المرعبة في فنزويلا جراء الأزمة السياسية والاقتصادية الطاحنة، وانتهاءً بالوضع السياسي المتدهور في بوليفيا، وإجبار الرئيس السابق إيفو موراليس على الاستقالة على خلفية اتهامات بتزوير الانتخابات الرئاسية.

وبالرغم من أن تلك التظاهرات الصاخبة تكشف عن عمق التحولات السياسية الراهنة في أمريكا اللاتينية، إلا أنه لا يمكن للمراقب عن كثب فهم طبيعة تلك التحركات الشعبية، طالما لم يفتش عن الدور الأمريكي المفترض، والذي تبين عبر التاريخ أنه سيناريو حقيقي ومتكرر، يستهدف صب الزيت على النار لإشعال فتيل الضجر اللاتيني المناوئ للحكومات اليسارية.

رغم تسليمنا المطلق بأن السبب الرئيس وراء أزمات بلاد اللاتين، يحمل صبغة الاهتراء الداخلي والأداء الهش للحكومات الاشتراكية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، إلا أن المعارضة الليبرالية نجحت من خلال دعم أمريكي واسع، في حشد تظاهرات عنيفة أسفرت عن مواجهات دامية وقتلى بالعشرات، وهجرات للخارج بالملايين كما في حالة فنزويلا، وقد تمكنت المعارضة، بفعل استمرار حالة الاحتقان المجتمعي، في تكوين “لوبي معارض” نجح في اختراق مؤسسات الدولة وخلق انقسامات داخل النظام السلطوي، وتشجيع الجيوش على تنفيذ انقلابات عسكرية.

وترافقت الخطة الأمريكية الممنهجة، التي تم الدفع بها في وقت واحد، لإشعال سيناريو الثورات الهجينة، مع فرض عقوبات اقتصادية صارمة، ومصادرة أصول وأموال لكبار المسؤولين داخل الولايات المتحدة، ووضع قيود على الإيرادات المالية للدولة وخاصة من بيع النفط، الأمر الذي أدى إلى إنشاء كيانات موازية تعمل على تقويض المؤسسات المنتخبة.

تعد بوليفيا شاهداً حياً على آخر تلك التدخلات الأمريكية، والتي مازلنا نتابع بعض أحداثها وخيوطها على الهواء مباشرة من خلال شاشات التلفزة العالمية، ففي الحالة البوليفية تم إنجاز كافة العناصر الأساسية للثورة الهجينة، فقد رفض مرشح المعارضة الخاسر كارلوس ميسا، الاعتراف بنتائج الانتخابات مؤكداً تزويرها، وسانده في هذا التوجه غطاءان الأول: تقارير نشرتها منظمة الدول الأمريكية قبل عملية الفرز النهائي للاقتراع، والتي اقترحت إجراء جولة ثانية من الانتخابات، والغطاء الثاني: تدخل الحكومة الكندية، ووصفها موراليس بالرئيس غير الشرعي، وكلاهما أي منظمة الدول الأمريكية وكندا من أقرب حلفاء واشنطن، الأمر الذي أدى إلي نجاح خطة الثورة الهجينة برعاية أمريكية، ونزع الشرعية عن حكومة موراليس، وفراره لاحقاً إلى المكسيك.

وعقب تنحي موراليس، شهدت شوارع بوليفيا احتفالات عارمة من خصوم الرئيس الهارب، رغم أن استقالته لم تأت على أساس دستوري، ما يجعل الأمر غامضاً بشأن مسار الحكم ومعضلة من يخلف الرئيس، وعلى أي أساس دستوري وقانوني سيتم تنظيم انتخابات جديدة.

وفيما انتقد موراليس معارضيه، واصفا ما حدث بالعودة إلى حقبة الانقلابات العسكرية القاتمة في أمريكا اللاتينية، رفض زعيم المعارضة البوليفية كارلوس ميسا، المدعوم من الغرب، هذا الكلام زاعماً أن موراليس أسقطته انتفاضة شعبية وليس انقلابًا عسكريًا، وفي هذه الأثناء، لم يفوت “نجم نجوم تويتر” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفرصة بالطبع، فقد ذكر أن استقالة الرئيس البوليفي تبعث برسالة إلى “أنظمة غير شرعية” في فنزويلا ونيكاراجوا، مفادها أن نصف الكرة الغربي أقرب إلى أن يصبح “ديمقراطيًا تمامًا ومزدهراً وحراً”، مضيفاً أن الولايات المتحدة “تشيد بالشعب البوليفي للمطالبة بالحرية، وبالجيش البوليفي للالتزام بحماية، ليس شخص واحد فقط ، ولكن لحماية دستور بوليفيا”.

ويظهر الانقسام الداخلي الراهن في صفوف الدول اللاتينية في التعاطي مع المسألة البوليفية مدى التأثير الأمريكي المباشر في الأحداث، فهناك حكومة البرازيل التي تساند تغيير النظام، بينما ترفض المكسيك التدخلات الخارجية، وهكذا باقي دول أمريكا اللاتينية، وأياً ما كانت نسب الفريقين “مع التدخل أو ضد التدخل”، فإنه من المؤسف أن تغلب الحالة الاقصائية على العلاقة الشرسة بين “اليمن واليسار” مما يؤكد أن المعادلة صفرية، فهناك دائما الطرف يسعي للقضاء على الطرف الآخر، دون وضع سقف لقواعد اللعبة، الأمر الذي يسمح ببزوغ شمس المخططات الأمريكية والتدخل لاستمالة الأطراف الفاعلة، ورسم المسارات وفق مصالحها، وليس مصالح الشعوب.

ولكن السؤال المنطقي هو: لماذا تهتم واشنطن كل هذا الاهتمام بتغيير الأنظمة السياسية في أمريكا اللاتينية؟، وللإجابة على هذا التساؤل يجب أن ندرك أن الولايات المتحدة تنظر إلى أمريكا اللاتينية من عدة زوايا مختلفة، فهي أولاً تحاول استعادة نفوذها المفقود في القارة المجاورة، خاصة بعد وصول اليساريين إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي هي تحاول انتهاز فرصة الغضبات الشعبية من أجل ضم القارة إلى نمط التبعية السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى عدم رغبة واشنطن في بقاء ديكتاتوريات عسكرية في القارة اللصيقة بالتزامن مع حربها ضد “الإرهاب”، كما أن هناك أبعاداً اقتصادية كثيرة جداً نذكر منها فقط أن الولايات المتحدة تعتبر القارة ميداناً خصباً وهائلاً للاستثمارات الخاصة.

في المجمل، يؤكد السلوك الأمريكي الراهن في أمريكا اللاتينية أن خطة الثورات الهجينة أداة للهيمنة الأمريكية على الدول التي تسير خارج المسار الغربي والتوجهات الرأسمالية، وتشير تصريحات ترامب إلى أن ما حدث في بوليفيا، وقبلها تصريحاته مرارا حول فنزويلا، لم تكن عفوية، بل كان مقصودة، وتؤشر على جاهزية واشنطن لتكرار ذات السيناريو في العديد من الدول، وخاصة أمريكا اللاتينية التي تعد “الحظيرة الخلفية” لأمريكا والنطاق المباشر للأمن القومي لسيدة العالم.