التطور التاريخي لحق المرأة السياسي

القارئ: شذى فيصل
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2020-02-18
0
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

في ظل ثقافة سيطرة الرجل على المرأة التي نراها بين الحين والآخر في بعض المجتمعات وبعض القوانين، قد يستغرب القارئ أن قبل آلاف السنين كان الوضع هو العكس تماماً، فكان العصر يسمى بالعصر الأمومي، وذلك لأن المرأة كانت هي الكل بالكل، هي الآمر والناهي، فهي التي ترث فقط دون الرجل، ولها حق الطلاق، ويُسمى الأبناء باسمها، وقد كانوا يعتبرونها واهبة للحياة، لأنها وحدها التي يمكنها التناسل، فهي التي تلد البشر وتمنَح الغِذاء والكساء، فقد اتخذت مكاناً عالياً في المجتمع.

لكن بسبب ظروف معينة تغيرت الأحوال وتبدلت، فأصبح المجتمع أبويا، ذكوريا، او بمصطلح أدق «بطريركي» Patriarchy، أصبح الرجل هو المسيطر على المرأة سواء كانت زوجته او أخته او ابنته، وأصبح هو وحده الذي يرث، ويسمون الأبناء عليه، ثم اتى الإسلام فتحسنت الأوضاع، لكن سرعان ما طغت الثقافة الجاهلية مرة اخرى على البعض، فأصبحوا يتحدثون باسم الإسلام لكن بتصرفات جاهلية، ينبذون وأد البنات الذي كان في الجاهلية، لكن يمارسونه بنوع آخر، بمعنى وأد اجتماعي، سياسي، اقتصادي، وأصبح الكثير من التفاسير ذكورية (هناك أمثلة كثيرة لسنا بصدد ذكرها).

لكن اليوم العالم تخلص من الفكر الأمومي أو الأبوي، وأصبح يميل الى فكرة المساواة بين الجنسين، وهذه الفكرة نسبية بمعنى ليست مساواة تامة، وايضاً يختلف من مكان لآخر.

لكن على الأقل فكرة أن الرجل وحده هو الذي يستطيع أن يستوعب الأزمات السياسية، وهو الوحيد القادر على حلها بذكائه الخارق لم تعد مقبولة الآن، فقد رأينا المرأة ايضاً أصبحت تتقلد كل المناصب الإدارية، وهذا لم يأت في يوم وليلة، فالنضال من أجل الديموقراطية أساساً كلف الشعوب الكثير، ولكن المشكلة أن بعض الشعوب عندما وصلت إلى نظام ديموقراطي استبعدوا النساء من المشاركة السياسية، حيث اعتبروهن كالأطفال الذين لا يحق لهم التصويت.

وهذا ايضا لم يدم طويلاً، فأكملت المرأة النضال من أجل الحرية، وبدأ يستوعب السياسيون أن القرار السياسي ليس حكراً على الرجال، والديموقراطية لا تكتمل الا بضم حق المرأة في المشاركة، وتم ذلك بالفعل في أوائل القرن العشرين.

اما في الكويت فقد تقدم أحد الأعضاء في مجلس الأمة عام ١٩٧١ بمشروع بقانون يتضمن حق المرأة السياسي، ولكن قوبل بالرفض! وتكرر ذلك الطلب في عدة مجالس ١٩٧٥، ١٩٨١، ١٩٨٥، ١٩٩٢، ١٩٩٦، وكان دائماً يتم رفضه من قِبل أعضاء المجلس، ولكن لأن حركة التاريخ الطبيعية حتمية، فتم وأخيراً نجاح هذا القانون بعد طول انتظار وأصبح للمرأة الحق السياسي في الانتخاب والترشح عام ٢٠٠٥.

نجد البعض ينتقد التجربة النسائية السياسية، ويقولون ماذا فعلت المرأة؟ طبعاً هذا كلام مردود عليه، لأن المؤسسة البرلمانية لم تلب كل احتياجات الشعب، والتي تتكون من ٤٩ رجلا، رغم هذا لا استطيع أن اقول ان الرجل فاشل، فمن باب اولى لا نتهم دور المرأة السياسي الحديث بالفشل!

وأخيراً أقول ان أكثر ما يؤسفني اليوم أن أرى كثيرا من النساء غير مقيدات أصلاً في الانتخابات! وبلا شك ولا يخفى على أحدكم أن حتى المقيدات بعضهن لا يملكن قرارهن في اختيار المرشح الأنسب، فالقرار يملكه الرجل الذي يفهم في كل شيء في العالم! كما أن بعض النساء يصوتن للرجال الذين كانوا وما زالوا ضد حق المرأة السياسي! يؤسفني ذلك لأن بعد كل هذا النضال الذي قامت به المرأة منذ مئات السنين، والذي لم اذكره في مقالي الا سريعاً، تأتي اليوم المرأة وتستغني عن كل ما حصل من مئات السنين!

ونحن نرى اليوم ما زالت هناك قضايا تمييز بين الجنسين والتي غالباً لا تصب في مصلحة المرأة، منها مثلاً جريمة الشرف، وحق الأم في الولاية الصحية على أبنائها، فلا يكفي التغني بالمرأة فقط من دون أن نعطي هذه الأم بعض حقوقها او نحترم انسانيتها، لذلك علينا جميعاً رجالاً ونساءً المشاركة في العملية السياسية لمحاولة إصلاح البلد، وعلينا إكمال مسيرة من سبقونا وضحوا من أجلنا من أجل أن تكون هناك ديموقراطية، اما اهتمامي بقضية المرأة فهو نابع من إيماني بضرورة دورها السياسي، وأن مكانها ليس البيت، بل الكويت، ودمتم بسلام.