التاريخ لا يعرف حرف لو

القارئ: ليلى السيد
المصدر: البيان
تاريخ النشر:  2019-12-11
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

الصدفة وحدها هي التي قادتني إلى هذا الكتاب المهم الصادر عام 2007 حين وجدته على فرشة للكتب القديمة، لدى بائع الصحف الذي اعتدت شراءها منه.

الكتاب هو«ربيع دمشق: قضايا -اتجاهات -نهايات»، «يقع في نحو سبعمائة صفحة من القطع الكبير أعده وحرره الباحث والأكاديمي في الجامعات ومراكز البحوث الأمريكية والبريطانية والمعارض السوري» د. رضوان زيادة.. «بدأت قراءته في الساعات الأولى من الليل، ولم أشأ أن أتركه حتى انتهيت منه صباح اليوم التالي وهو ما اضطرني للتغيب عن عملي امتثالاً لرغبة عميقة في النوم.

أما شغفي للانتهاء من قراءته مرة واحدة، فلأنه ينطوي على رصد وتجميع لمعظم الحوارات والنقاشات والبيانات التي طرحها المثقفون والمعارضون وعدد من النواب السوريين داخل الندوات والمنتديات والجلسات البرلمانية، فضلاً عن الكتابات التي بدأت في الظهور في الصحف العربية من سوريين وعرب وأجانب التي رافقت بدايات (ربيع دمشق) في الشهور الأخيرة من حياة الرئيس حافظ الأسد أواخر عام 1999.

شجع على ذلك أن الأسد الأب كان قد استجاب استجابة محدودة، لمطالب بتفعيل مؤسسات المراقبة والمحاسبة لتعقب الفساد وتعديل القوانين الانتخابية وفتح المجال لحريات الرأي والتعبير، لمشاركة أوسع في الشأن العام. تجلت تلك الاستجابة في تنديده في خطبه بالفساد والبيروقراطية، ودعوته إلى التطوير والتحديث.

وساهم في دعم ذلك التوجه، ارتياد بشار الأسد لعدد من تلك المنتديات التي كانت تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي، مما حمل الإشارات للمشاركين فيها، أن سلطة الرئاسة تدعم التحركات المجتمعية نحو التغيير السلمي والإصلاح.

وإذا كان المؤلف دكتور زيادة يرجع ظهور «ربيع دمشق» إلى موت الأسد والتغيير طرأ على رأس النظام، الذي يقوم على وضع هرمي صارم، يحتل فيه الرئيس موقع القابض على كل مؤسسات الدولة والحكم، فضلاً عن رغبة المجتمع السوري، الذي يحفل على مدار تاريخه بالحيوية على المستويين السياسي والثقافي، بالمشاركة، وأخذ رأيه بعين الاعتبار في السياسات التي تحكم حاضره ومستقبله، فإن سبباً مهماً آخر قد ساهم في بزوغه، وهو انهيار أنظمة الحكم الشمولي في أوروبا الشرقية، وتحطيم جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفييتي، مما مّثل تغيراً في شكل الخريطة الدولية، ليس فقط على المستوى السياسي، التي باتت الحريات الديموقراطية عنواناً له، ولكن أيضا على المستوى الجغرافي الذي تغيرت فيه خرائط بعض الدول، مما بدا أنه إنذار لمن يهمه الأمر، أن الاستبداد وغيبة الحريات السياسية والاجتماعية، عوامل كفيلة بهدم امبراطوريات.

ومع تقلد بشار الأسد موقع الرئاسة بدءاً من يونيو عام 2000، بعد أن عدل مجلس الشعب الدستور، من مادة تشترط فيمن يترشح للرئاسة ألا يقل عمره عن أربعين عاماً، ليغدو الرابعة والثلاثين عاماً، ليتوافق ذلك مع عمر الرئيس الجديد، تشكلت حكومة جديدة، وتم توجيه تهم بالفساد إلى رئيس الوزراء محمود الزعبي، الذي انتحر بعد إقالته، حظي المشاركون في أنشطة «ربيع دمشق» من التجمعات الثقافية والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وأفراد من المشغلين بالسياسة والفنانين والكتاب والمبدعين في شتى المجالات، بدعم رسمي جديد، تجلى في فتح النقاش في المجال العام لموضوعات لم يكن يألفها من قبل.

وساهم ذلك في بلورة رؤية واضحة متفق عليها بين كل أطراف الربيع، تمثلت في المطالبة بإلغاء حالة الطوارئ المعمول بها منذ عام 1963، والعفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين، وإرساء دولة القانون وإطلاق الحريات العامة والاعتراف بالتعدد السياسي والفكري، وإطلاق حرية الاجتماع والصحافة والتعبير عن الرأي وإلغاء الرقابة المفروضة بالقانون والعرف على الحياة العامة، ليتسنى لكل المواطنين التعبير عن مصالحهم المختلفة، في إطار توافق اجتماعي وتنافس سلمي، وبناء مؤسسي يسمح للجميع بالمشاركة في تطوير البلاد وازدهارها.

الكتاب يكتسب أهميته من أنه يضيء مرحلة مهمة من تاريخ سوريا المعاصر، ويتيح فرصة لتكوين رؤية واضحة عن «ربيع دمشق» من المشاركين فيه والمؤيدين له، لكنه بجانب ذلك أثار أسئلة وجدد أحزاناً، وفتح جروحاً لا تريد أن تلتئم.

ومن بين صفحة وأخرى من صفحات الكتاب تقفز جملة «ماذا لو» كبيرة تلاحقني من سطر لآخر، وتأبى أن تساعدني على التخلص من آلام الشعور بالخيبة والحسرة والإحباط من حجم الخطايا التي تراكمت من النتائج التي أسفرت عن قمع «ربيع دمشق». «ماذا لو» استجاب النظام السوري لمطالب معارضيه، لا سيما وهم كانوا يطالبون بإصلاح ديمقراطي واجتماعي تحت مظلته وبقيادته، ألم يكن حال سوريا والمنطقة، غير ما هو عليه الآن؟

ولأن التاريخ هو التاريخ، يمكن تأويله وتفسيره، لكنه لا يكتب بأثر رجعي ولا يَعرف بطبيعة الحال حرف الشرط والدعاء والتمني «لو».. لكن المؤكد أن ما بات في أيدينا الآن، يصلح بعض ما أفسده الصلف، وهو أن تتوحد كلمة النظام العربي، حول رفض تقسيم سوريا ونهب ثرواتها واحتلال وغزو أراضيها.