البصرة

القارئ: رند العلمي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-01-05
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

... كنت أتابع أمس فيلما وثائقيا, عن البصرة... عن المدينة الغافية على كتف شط العرب.. عن الحب والماء والشمس والنخل فيها..

تابعت حياة بدر شاكر السياب الذي ولد في احدى قراها، وحياة ابن خلدون.. والحسن البصري, وأهلها كيف أعادوا مهرجان المربد, بداية السبعينيات من القرن الماضي وكيف زارها درويش ونزار وقرأ الجواهري قصائده.. فيها.

عرفت عنها أيضا, أنها المدينة التي أسس أهلها علم النحو, وتفوقوا على أهل الكوفة حين استعملوا القياس... تابعت المجلات التي صدرت فيها, والألحان الخاصة بها.. وعرفت كيف اغتيل النخل في البصرة فمن (33) مليون نخلة كانت في البصرة عام (1977) إلى (3) ملايين نخلة الان.. وكلها قطعت بفعل الحروب.

العراق لم يكن يوما وطنا فقط, العراق هو (جمجمة) العالم العربي وعقله, هو الاستقرار.. وهو السلام, فحين تتوضأ بغداد صباحا بدجلة وتصلي الفجر آمنة مطمئنة فاعرف أن كل مدن العالم العربي سالمة.. وإذا أصابها الحزن أو المرض فالعالم العربي كله سيمرض لتعب بغداد.

بقيت طوال الليل أمس وأنا أقرأ عن البصرة, وهي أول إمارة عربية إسلامية خارج الجزيرة العربية, وأول منارة..وأول موطن للعشق والحياة والتنوع.

حين يقتل رجل من هنا أو هناك, فالحياة تمضي ولكن حين تغتال مدينة بحجم البصرة فعليك أن تتوقف طويلا... لماذا صرنا نحزن لأجل المليشيات ونمضي بشكل عادي حين تذبح المدن.

البصرة الان كل شيء متوقف فيها: الأدب, الفن, الحياة... والنخل أصبح فسيلا لا يصلح لشيء.. والأرض جفت.

سليماني بجانب البصرة لا يعني شيئا, كل المليشيات بجانب العراق لا تعني شيئا.. لماذا إذا كل هذا النحيب عليه, وكان نخل البصرة الأولى بالنحيب حين حرقه الإنجليز لحظة دخولهم المدينة عام (2003)..

في المشهد الحالي, لا أظن أن المطلوب هو سليماني أبدا, المطلوب هو أن يختصر العراق بالعمائم والطوائف.. أن يصبح مشروعا طائفيا وليس وطنا ومن ثم يغتال تماما مثلما اغتالوا البصرة.

لكني واثق من شيء.. وهو أن العروبة مثل دجلة, ودجلة لا ينضب... ليس سليماني وحده من سيصفى، ولكن كل يد وكل نفس وكل ضمير شارك في المؤامرة على العراق.. سيدفع الثمن, البصرة لها ثأر.. ومن يملك التاريخ هو الذي سيقرر في النهاية..

إيران لم ولن تكتب تاريخ العراق, العراقيون وحدهم هم من سيكتبون تاريخهم.