يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

الباشا نوار فريز ..

القارئ: رند العلمي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-03-09
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

... كنت غالبا ما أقف عند باب المسرح , وأمسك يدها حتى تجلس ..وبالرغم من العمر والمشية المتثاقلة , إلا أنها تقود سيارتها بنفسها , وتمارس الطب باحتراف ..وتعلم أجيالا من الشباب , أسرار الصور الشعاعية وكيفية قراءتها ..البعض كان يظنني أفعل ذلك لأنها زوجة عقل بلتاجي , علما بأن الطبيبة نوار فريز في سلم الحياة والجيش ..أظنها أهم بكثير من عقل ..وأهم بكثير من مؤسسات قديمة في الدولة ...كونها قصة تدرس لأولادنا وبناتنا في فنون الصبر والكفاح .

يوم الجمعة الماضي , عرض التلفاز لقاء مع الباشا والدكتورة نوار فريز ضمن برنامج يسعد صباحك ...كانت المذيعة تقاطعها كثيرا , ولم تمنحها فرصة إكمال الفكرة ...ولم تمنحها فرصة سرد البعض من تفاصيل الحياة المجبولة بالصبر والطموح والرضى ... وكيف اصطحبت ابنها البكر ليث معها إلى لندن حتى تكمل تخصصها في الطب الشعاعي , وكيف كان الجيش هو المؤسسة الحاضنة ..لصبية في مقتبل العمر تريد لطموحها أن يكتمل ...وكيف عاشت بين الطب وبين قصائد الوالد (حسني فريز) ..وبين النمط العسكري الصارم , وبين متطلبات الأمومة والزواج ...

سردت البدايات , ودور الدكتور عبدالسلام المجالي في مساعدتها , وتجنيدها ضمن كادر الخدمات الطبية الملكية , وسردت تفاصيل الإغتراب ..وكيف توزعت العائلة بين زوج يعمل في أمريكا ..وزوجة تقاتل كيف تحصل على التخصص في لندن ..

حسني فريز لم يكن يملك الملايين حتى يرسل ابنته إلى لندن لكنه امتلك القصائد وبحور الشعر والأقلام , والجيش امتلك السلالم التي مدها لشباب البلد وبناته حتى يصعدوا ذرى الحلم والحياة دون تردد ...ولا يوجد أجمل من تلاقي البندقية والقصيدة , في حياة الدكتورة والباشا نوار فريز ..فهذا التلاقي في النهاية أنتج أوئل النساء اللواتي حملن رتبة (باشا) في الجيش , وأنتج أيضا أهم أطباء البلد وأنبلهم , وأكثرهم بساطة .

لأني أعرف تاريخ تلك السيدة , كنت أيضا أرافقها إلى سيارتها (التويوتا) العتيقة حين تنهي حضور مؤتمر طبي , أو حفلة أوركسترا من مسرح مركز الحسين الثقافي...وأقول في داخلي بالرغم مما يكتب عن عقل بلتاجي , وأنه لايمتلك إلا شهادة ميلاده ..وأنه الرجل المحظوظ في عالم المناصب ..إلا أن هذا الرجل الأقل حين ينام على وسادته , يجد بجانبه شريكة عمر تحمل الطب والشعر والعسكرية واللغة والأمومة والحياة ...فهل هنالك أنبل من هذه الشهادات ...؟

لو نعرف تفاصيل كفاح الناس وتعبهم في الحياة , لما جلدناهم بهذه السياط الملعونة ..ولكنه زمن , تغيب فيه الحقيقة ..ويصبح الجهل هو اللغة التي نتبادل فيها الحديث.