يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

إن شاء الله استفدت

القارئ: معن صافي
المصدر: الدستور
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-02-23
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

(حرية الشباب في التعبير مصونة، وسأعمل على إزالة ما يحد من هذه الحرية)، عبد الله الثاني ابن الحسين.
«إن شاء الله استفدت»، فيلم أردني خرج للضوء عام 2017، واستغرق العمل فيه أكثر من ثلاثة أعوام، ووضع في الأدراج وتوقف العمل فيه خلال مراحل مختلفة من مسيرته، شارك في المحافل الدولية، وحصل على جوائز، ولكنه مُنع من العرض المحلي.
هو فيلم رائع يتحدث بشكل كوميدي عن قصة أردني يدخل السجن بسبب عملية نصب صغيرة، وما يصاحب هذه التجربة من بيروقراطية وفساد ورشوة، ويصور واقع السجون، وعلاقة السجناء مع بعضهم أو مع سجانيهم.
شاهدته قبل أيام مع أصدقاء، وكان السؤال الأهم الذي أجمعنا عليه: كيف لفيلم يحمل كل هذه الجرأة أن يسمح بتصويره داخل السجون والمراكز الأمنية والمحاكم؟! ولحسن حظي فقد التقيت في اليوم التالي بالصدفة مع أحد أبطال الفيلم، وسألته نفس السؤال، فأجابني بأنه لولا تدخل مراجع عليا لما خرج الفيلم إلى الحياة.
أنا على يقين بأن المراجع العليا - وعلى رأسها جلالة الملك - تريد حرية وجرأة في طرح قضايا الوطن، حتى لو صاحب ذلك انتقاد لأداء بعض المسؤولين والمؤسسات العامة، وأذكر حين كان الفنان المبدع هشام يانس – شفاه الله – يقلد جلالة الحسين المهيب كان جلالته يضحك بروحه الجميلة، وكان دافعًا لمزيد من الإبداع، فالتسامح وقبول الرأي الآخر لهو من شيم الهاشميين.
ولكن على أرض الواقع، من مواقع المسؤولية للذين يمتلكون القرار، وهم في العادة يتمتعون بحس رقابي ذاتي عال، وفي نفس الوقت يعتقدون أن لديهم وحدهم القدرة على تمييز الصالح من الطالح، فتدفن الأعمال الإبداعية والأفكار الخلافية دون سبب مبرر منطقي، وقد يكون المنع بدافع «سكِّن تَسلَم»، أو الخوف من المسؤول الأعلى.
والنتيجة هي نوعان من الأعمال؛ الأعمال التي تمجد وتطبل، والأخرى الهدامة التي يقف خلفها المال الأسود أو الأحقاد الشخصية أو البحث عن شهرة رخيصة، أما من يقدم على الإبداع فلا مكان له، فيزيد التطرف وتطمس بعض من الحقائق.
كم من عمل فني عظيم لم يرَ النور! وكم من مقالة مهمة كان مصيرها سلة المهملات! وكم من قصيدة بقيت في بطن الشاعر! وكم من رسام كاريكاتير لفظته مزاجية صاحب القرار! كل هذه الأعمال خسرها الوطن وسببت لمبدعينا الإحباط والسلبية، لذلك برأيي يجب ترجمة التوجهات الملكية، ومنها أن تكون هنالك جهة محايدة لمظالم المبدعين، يعرضون عليها أعمالهم المرفوضة وتؤيد هذه الجهة أو ترفض المنع، ويكون من أعضائها المبدعون والحقوقيون، ويُستشار أصحاب الاختصاص الخبراء.
قرارات هذه الهيئة لا تحمل صفة الإلزام أو التدخل في أعمال الجهات الأخرى، وإنما هو رأي سيعتد به وسيؤدي إلى مراجعة المسؤول نفسه في المستقبل قبل الإقدام على منع عمل ما، وسيعتبر رأيها بمثابة صك براءة لأي عمل مرفوض، ومع الوقت ستساهم مثل هذه الهيئة في إطلاق الأعمال الإبداعية الجريئة، والتي ستساهم في نهضة الوطن.
آن الأوان أن يمتنع البعض عن تنصيب أنفسهم أوصياء على الدولة، فدولتنا دولة راسخة قوية ونظامها السياسي يتمتع بإجماع شعبي ولا تنقصه شرعية.
علينا ألا ننسى أبدًا أنه في أوج الحضارة العربية الإسلامية كان التسامح الفكري من أبرز ملامحه، وفي عصر الانحطاط كانت السمة الغالبة هي كبت الحرية الفكرية.