أي اعتماد على الذات؟

القارئ: ليلى السيد
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-03-03
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

الأولوية الثانية التي أطلقها رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز ضمن برنامج أولويات عمل الحكومة للمرحلة المقبلة هي تعزيز الأمن الوطني والاعتماد على الذات، والأخيرة محط تساؤل اقتصادي حقيقي في ضوء معطيات الوضع الراهن والتحديات التي تعصف بالاقتصاد الأردني من كل حدب وصوب.
الاعتماد على الذات في الاقتصاد الأردني هو شعار طموح نادت به كل الحكومات على السواء، وكان اولوية لها في خطابها الإعلامي، وبياناتها الوزارية التي لم تخلُ جميعها من التأكيد على الاعتماد على الذات.
لكن الحقيقة على ارض الواقع أن الاقتصاد الأردني لا يمكن أن يخفف من اعتماده على الغير، وأن الاعتماد على الذات شعار لا اكثر، والحقيقة أن المملكة تزداد عاما بعد عام بالاعتماد على المساعدات الخارجية، وهذا أمر ليس غريبا على الحكومات او حتى المواطنين، فالكل يعلم أهمية المساعدات والمنح الخارجية في تحقيق الاستقرار المالي وإخراج الاقتصاد من نفق مظلم كان ممكن أن يهوي اليه لولا تدفق المساعدات الخارجية.
للعلم، الرقم الوحيد الذي يخالف تقديراته عن الفعلي في قانون الموازنة العام باتجاه إيجابي هو رقم المساعدات الخارجية، بمعنى اذا قدرت الحكومة حجم المنح التي ستحصل عليها في العام 2019 بحوالي 600 مليون دينار، فإن الرقم الفعلي المتحصل يفوق هذا الرقم ويسجل الحقيقي منه حوالي 804 ملايين دينار، وهكذا في كل عام، تأتي المساعدات اكثر من المُقدر.
طبعاً علاقة الأردن بالمانحين علاقة استراتيجية قوية جداً، والأردن لاعب رئيسي في المنطقة، ومن مصلحة المانح الدولي دعم الاقتصاد الأردني في مواجهة التحديات التي يعاني منها جراء موقعه الجغرافي الاستراتيجي، وهناك على الدوام مؤتمرات وزيارات من المانحين لدعم الاردن الذي تلقى العام الماضي ما يقارب 2.8 مليار دينار منحا وقروضا.
زيادة الاعتماد على الذات في الخطاب الحكومي لم تنقطع ابداً في اي خطاب اعلامي رسمي، لكن النتيجة هي العكس تماماً، مزيد من الاعتماد على المنح الخارجية لتمويل نفقات الحكومة المتزايدة، وهذا امر طبيعي خاصة عند ارتفاع عجز الموازنة وتأخر وصول المنح المُقدرة في الموازنة، حينها يجيش الخطاب الرسمي الإعلامي بأن سبب تفاقم العجز المالي واضطرار الحكومة لإجراءات داخلية لمواجهة العجز يأتي بسبب تأخر استلام الخزينة للمنح المقدرة في الموازنة.
الكل يتذكر جيدا أن بعد انقطاع النفط العراقي التفضيلي العام 2003، كان النفط الخليجي عوضا عنه وبكميات كبيرة جدا خاصة من السعودية (100) الف برميل يومياً، والكويت والإمارات بـ(50) الف برميل يوميا لكل منهما، سرعان ما تحولت بعد اقل من عام الى منح مالية مباشرة للخزينة بواقع تجاوز الـ300 مليون دينار، وبنفس الاتجاه مساعدات كمية ونوعية من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
الوضع الاقتصادي الراهن وزيادة الاردن من اعتماده على الذات وتقليل اعتماده على المنح الخارجية، فهذا ضرب من الجنون، إذ إن الأردن حتى في ظل تدفق المساعدات الخارجية هناك تراجع ملحوظ في أدائه الاقتصادي على كافة المستويات، ولم تشفع تلك المساعدات في تحقيق نمو مستدام او حتى معالجة جزئية لنمو المديونية الجنوني، وتحسين اداء المالية العامة في تمويل نفقات الحكومة المتزايدة، لذلك لجأت الحكومات حتى في ظل تدفق المساعدات الخارجية التي لم تنقطع يوماً عن الاردن منذ العام 1993 إلى صندوق النقد الدولي طالبة منه يد العون في تجاوز أزمتها المالية لا بل تطور الامر في العلاقة الحاجة الملحة للحصول على دعم المؤسسات الدولية وعلى رأسها الصندوق لدى المانحين للحصول على قروض ميسرة ومساعدات لدعم الخزينة المثقلة بالاعباء.
الاعتماد على الذات شعار بعيد المنال في المديين القريب والمتوسط، وتطبيقه فعليا يحتاج إلى استراتيجية اقتصادية اصلاحية حقيقية بعيدة بالأساس عن دعم الصندوق أولا وأخيرا، وليس والاقتصاد في حضنه.