أثرياء البلد..

القارئ: رند العلمي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-03-02
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

كم يوجد من الأثرياء لدينا؟.. أنا لا أعرف ولكن يوجد الكثير, وهؤلاء تفتح لهم أبواب المطاعم, ويتداول الناس أخبارهم, ونعجب بأنواع سياراتهم.. ونحب (جعصتهم) حين يمتطون المقاعد الفاخرة, ونراقب بعض (المتزلفين).. حين يقابلونهم في الطرقات, ويطلبون أرقامهم الخاصة.

أثرياء البلد, هم طبقة محترمة, وهم الذين يحصلون على الحب بالمجان والإحترام بالمجان, وحين نجلس في مطاعمنا الصغيرة, نسرد بطولاتهم.. وحجم ما جمعوا من ثروات, ويكذب أحدنا ويخبرنا بأنهم يحبون البلد.. ويكذب اخر ويسرد لنا قصة عن واحد منهم, وكيف أنه وقف ذات يوم بسيارته وأعطى عامل نظافة مبلغا هائلا من المال.. وقد شاهده بأم عينه, وثالث انضم مؤخرا لجلستنا, ينتج كذبة أخرى عنهم ويخبرنا أنه شاهد أحدهم والدمع يذرف من عينيه.. حين مات السائق الخاص به, وقد تكفل على المقبرة بتعليم أولاده.

أثرياء البلد, حين يجلسون في مطعم ما.. العيون كلها تراقبهم, نراقب ما يأكلون.. ونراقب كم أعطوا (للجرسون) من (بخشيش).. ونراقب (الشيف) الذي جاء على عجل لأن واحدا منهم, شعر بأن قطعة اللحم يوجد بها ملوحة زائدة, وقد أعطى (للشيف) ملاحظة والأخير لحجم انبطاحه دونها على يده, وأعجب بحاسة التذوق لدى هذا الثري..

ذات يوم ذهبت إلى واحد منهم، حين كنت مديرا لمركز الحسين, كي يتبرع للمسرح بجهاز صوت, كونه انتقد صوت الأوركسترا, فحدثني عن تقاليد التاج البريطاني, وشرح لي تاريخ (الملكة إليزابيت).. وأخبرني أن شقيقه درس في نفس مدرسة الأمير (تشارلز).. وأنا أخبرته بأني تخرجت من مدرسة الإمام علي في أبو نصير, وكان صديقي في الصف حسونة, وقد مات قبل سنوات بحادث سير, أخبرته أيضا أن أهم رفاقي في المدرسة, اشتروا (سيارات أجرة) وهاهم يعملون عليها.. واعتذر عن التبرع, وأنا لم أعتذر عن وقاحتي، كان يجب أن أكون وقحا.

أثرياء البلد، لم يعقدوا لهم اجتماعا واحدا.. الاجتماعات تعقد للصحفيين, للتجار الذين تعثروا, لأصحاب التكسيات الذين ضيعتهم الشوارع, للحراكيين.. لشيوخ العشائر, وتعقد للصابرين.. على شرفات غد سيأتي وربما.. ربما لن تمر شمسه..

أثرياء البلد, أعطتهم هذه الأرض.. المواقد الضخمة, والأموال..أعطتهم الطائرات الخاصة, وعلى أوردتنا بنوا (مولاتهم).. وقصورهم.. والسؤال الذي يقض مضجعي ويغتالني, ماذا قدم أثرياء البلد للبلد..؟

أنا خذوا دمي (خاوة) لا أريده أن تأخذوه بالرضى, بل (بالخاوة).. خذوه للبلد.. إن كان يشفي بعضا من غليلها.. أو يشفي أوجاع الناس فيها..

أما هم فاتركوهم, لا تأخذوا من حصصهم شيئا.. فهم أثرياء البلد.

هم لهم حصة في البلد.. وأنا للبلد كل الحصص من دمي ولحمي ودمعي وحياتي..

أثرياء البلد...