يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

أبو وديع وأبو ليلى

القارئ: معن صافي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-01-29
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

... قبل فترة، جاء جورج وسوف إلى عمان، تهافت الرجال وتهافتت النساء على (أبو وديع).. وقد شاهدت شاباً، تمزق الجاكيت الخاص به، ونزل دمعه على الخد.. لأن الأمن الخاص (بأبو وديع) منعه من الاقتراب واللمس، وللعلم (أبو وديع).. أتى بحرسه الشخصي معه، وتم تزويده هنا أيضاً بمجموعة من المختصين بأمن المطربين.

في فلسطين يوجد عمر أبو ليلى، (وأبو ليلى) ليس مطرباً وإنما فدائي.. هاجم مجموعة من جنود الاحتلال، وقتل بعضهم.. ثم أخذ سيارتهم، وغادر.. كان يدرك أنه سيستشهد, ولكنه قرر مقابلة وجه ربه بطريقته الخاصة، عبر المقاومة وحتى اخر قطرة دم.. لم يكن خلفه الطبل بل كان الرصاص, ولم يكن خلف أبو ليلى أمن شخصي بل كانت خلفه فلسطين بكل تاريخها، وهو للعلم.. لم يحترف طريق الرقص والهز, بل احترف الدم..

نحن نعيش بين صراعين.. صراع أبو ليلى وأبو وديع، ونعيش بين ثقافتين.. ثقافة جيل يحب أبو وديع, وجيل آخر يمشي على خطى أبو ليلى.. ولا أظن أن الجيل الموجود الان داخل فلسطين، والذي أنتج (أبو ليلى) لو زاره (أبو وديع) سيفعل كما فعل العالم العربي للفاتح العظيم... هناك لا يحبون الطرب كثيراً، ولا يحبون (المياصة).. ولا يعترفون بصوت غير صوت فلسطين.. ولا يرقصون إلا على صوت البارود, وإذا قرع الطبل فسيقرع للمواجهة وليس لغيرها.

البارحة ولحظة تفاخر نتنياهو بإنجاز الصفقة, لو عرضت عليه صورة عمر أبو ليلى فقط.. لو عرضت في القاعة, لو رفعها أحد الحاضرين.. لو صرخ أحدهم باسمه, لربما كان اسمه وحده كافياً لأن يحرج نتنياهو وترمب، وأن يلغي كامل ما جاءت به الصفقة..

شاب في الـ (18) من العمر، هزم جيشاً عمره (70) عاما.. تلك هي الحقيقة التي نسيناها للأسف.. وتلك هي قوتنا التي نغفل عنها.

في النهاية قد يطل أبو (وديع).. على مسرح في عاصمة عربية، وهو كفيل بأن يجعل من ثاروا على «الفيس بوك» أمس، يؤخرون غضبتهم قليلاً.. لكن عمر (ابو ليلى) الكل يريد طمسه، لأنه يشكل نموذج فلسطين الحقيقي غير المزيف.

أنا لن أشتم ترمب، ولن أشتم نتنياهو.. أنا وضعت صورة عمر أبو ليلى على سيارتي، وربما سيمر دبلوماسي إسرائيلي في عمان متخفياً بسيارة مدنية وسيقف خلفي وسيشاهد الصورة، وسيتذكر.. ربما سيمر دبلوماسي من أميركا أيضاً من جانبي وسيشاهد الصورة.. وسيتذكر هو الاخر.. وربما سيمر الشاب الذي مزق قميصه لأجل السلام على أبو وديع.. وأظنه سيخجل من نفسه، حين يرى أبو ليلى.. وربما أيضا سيمر.. تاجر من تجار الدين وسماسرة اللحى الكاذبة.. وهو الاخر سيتذكر..

صدقوني أن الأزمة ليست في «الصفقة» ولا في أميركا، الأزمة أن صوت «أبو وديع» مازال يصدح في سياراتنا ومقاهينا، بالمقابل دم «أبو ليلى» نسيناه.